لماذا لا يقرأ المسلمون القرآن؟

Par défaut

كثيرا ما يشكل القرآن ككتاب مقدس عند المسلمين جزءا من أثاث التزيين المنزلي حيث يوضع في زاوية الصالون كقطعة أثرية مثيرة بسحرها لعين الناظر. لكن قلما يفتح المسلمون مصحفهم لقراءة ما تيسر مما يحتويه من سور وآيات قرآنية. فحين يفتح المسلم المصحف ويشرع في قراءته، فهو يعطيك انطباعا بأنه يجتاز مرحلة عصيبة من حياته لأنه ليس من عادته قراءة القرآن. وغالبا ما تكون فاجعة فقدان أحد الأقارب سببا في عزم المسلم أو المسلمة على فتح المصحف وقراءة ما تسير من آياته القرآنية

لا يشكل المصحف في مخيال المسلم كتابا للدراسة وللتأمل بقدر ما يشكل كتابا مقدسا يشخص كلاما مسطورا مقدسا نزل من إلاه مقدس إلى رسول مقدس بلغة مقدسة بهدف تبليغ رسالة مقدسة إلى أمة مقدسة بحكم قول القرآن الذي يدغدغ مشاعر جمهور قرائه من  المسلمين واصفا إياهم في الآية 110 من سورة آل عمران بخير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله في الوقت الذي يعتبر فيه القرآن أكثرية اليهود (أهل الكتاب) فاسقين.

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (الآية 110 من سورة ال عمران) 

لا يهم المسلم مضمون المصحف من أفكار وتعاليم بقدر ما يهمه حضور المقدس في منزله ومباركة منزله بحلول المقدس فيه في شخص المصحف وما يحتويه من آيات وسور القرآن. لذلك، قلما يجرأ أحدهم على قراءة المصحف والتمعن في معاني آياته ومساءلتها. فالقرآن نفسه يحد من رغبة المسلم في التقرب من المصحف حيث لا يسمح له بلمسه إلا إذا كان مطهرا حسب ما يفهم من الآيات 77 إلى 80 من سورة الواقعة التي تقول عنه :  » إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) « .

علاوة على ذلك، نجد أن القرآن يرتل أكثر مما يقرأ لسببين وجيهين. السبب الأول هو أن الترتيل يساعد الذاكرة على حفظ القرآن واستظهاره بفعل اللحن لكون القرآن لم يكن مكتوبا في بداية نشأته بل كان يتداول بالسمع والإنصات لقراءته وترتيله. والسبب الثاني هو أن ترتيل القرآن يكون له وقع سحري على كل من المتلقي والمرتل وخاصة حين يكون المعني بالأمر مؤمنا يحتاج إلى جرعة قداسة تطهره وتزكيه. لذلك نجد الناس ترتل القرآن جماعيا أو تستمع إلى ترتيله جماعيا في بعض المناسبات كالعقيقة وغيرها من أجل تطهرهم وتزكيتهم وحلول القداسة والبركة بين ظهرانهم.

من جهة أخرى، نجد القرآن بصفته كلاما مقدسا لا يرد له طلب يأمر جمهوره بالاستماع والإنصات إلى قراءته، وهو يعني بذلك الاستماع والإنصات لترتيله. فالآية 204 من سورة الأعراف تقول بصريح العبارة: « وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ« . ومن الانعكاسات التطبيقية والعملية للتعاليم القرآنية كون المستمع لقراءة القرآن يجد نفسه مجبرا ليس على الاستماع والإنصات لقراءة القرآن فقط بل مجبرا كذلك على الإمساك والامتناع عن مناقشة مضمون القرآن خلال فترة القراءة والترتيل. في المقابل، كثيرا ما نجد رجال الدين يعمدون قصدا وعن سابق إصرار وترصد إلى ترتيل القرآن ترتيلا على مسامع مخاطبيهم قصد التأثير عليهم بفعل الإيمان وما يتطلبه من واجب فعل الخضوع والتسليم والاستسلام كعربون العضوية في دين الإسلام. وإنا لكثيرا ما نلاحظ نزوع الشيوخ ورجال الدين في برامج تلفزية جدالية استعراضية إلى ترتيل الآيات والتلويح بما تتضمنه تلك الآيات من التهديدات المبطنة منها والصريحة إلى خصومهم من المصلحين الدينيين أمثال الشيخ محمد علي نصر وإسلام البحيري أو من خصومهم الملحدين والمرتدين حيث تلقى في كنفهم آيات بليغة بلاغة القنابل الموقوتة. وهي بلاغة لا يعرف معناها إلا من يعرف معنى الآية التي تقول « إن الدين عند الله الإسلام » وتوأمها التي تقول « ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ». وبما أننا نتحدث عن القرآن، وقراءة القرآن، وفهم القرآن، ومساءلة القران، فإني أفتح قوسا لطرح أسئلة أولية مفادها: « ما معنى الإسلام » و »ما معنى القرآن » و « ما الفرق بين المصحف والقرآن ». قد تبدو الأسئلة غبية لبعضهم وقد تبدوا واضحة للبعض الأخر وقد تبدو غير ذلك لباقي جمهور القراء من المسلمين. لكن المهم عندي هو أن يتساءل كل مسلم مع نفسه ليعلم هل سبق له أم لا تحمل مشاق طرح نموذج من مثل هذه الأسئلة على نفسه أو على غيره وإن كان عنده الجواب الصواب أم لا من خلال ما يقوله القرآن ومن خلال ما يعرفه هو عن القرآن!؟

فاعتبارا لما سلف ذكره، يبدو واضحا ان المسلم المؤمن يجد نفسه أمام مصحف مقدس في ماديته ككتاب لا يلمسه إلا المطهرون وفي محتواه الفكري الذي يلزم « المزمل » بترتيل القرآن ترتيلا ويلزم المستمع إلى قراءته وترتيله بالاستماع إلى القراءة والإنصات إلى الترتيل. أما مناقشة القرآن ومساءلة مضمون القرآن، فهذه أمور من الأمور الهامشية في تعامل المسلم مع القرآن. فقراءتنا للقرآن تبين لنا أن القرآن نفسه يسجل لنا حالات كان فيها بعض الناس يطرحون أسئلة على الرسول محمد (القرآن لا يوضح لنا إن كان السؤال يطرح على الرسول محمد أم على غير الرسول محمد ولكننا ذكرناه تجاوزا علما منا أن ذلك جزء من الإشكاليات التي يطرحنا القرآن بالنسبة للباحث). فهناك آيات تقول على سبيل المثال لا الحصر « يسألونك عن الروح » و « يسألونك عن الساعة » و »يسألونك عن الأهلة » و « يسألونك عن الشهر الحرام » و « يسألونك عن الخمر »، إلخ.

لكننا نجد في المقابل، أن القرآن يقول لنا ما يفيد أن المسلم كان مطالبا بتقديم صدقة للرسول إن كان يريد أن يسأل الرسول في موضوع ما. فالآيتين 12 و 13 من سورة المجادلة تقول في هذا المنحى :  » يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)« . وهذا في حد ذاته يعتبر حاجزا ماديا ومعنويا أمام قراءة وتأمل القرآن ومساءلته في عهد الرسول محمد. فمن يدري أن هذه السابقة قد أضحت أم لا جزءا لا يتجزأ من المنظومة الفكرية والذهنية والسلوكية في التراث الإسلامي الذي جعل من الإسلام استسلاما ومن السؤال مؤشر فسوق وكفر وعقوق. وكل مسلم يعلم علم اليقين (أو على وجه التقدير) ما يترتب على ذلك الفسق والكفر والعقوق من عقوبات ردعية من قبل المجتمع الاسلامي ومنظوماته الفقهية والتشريعية وتنظيماته الجزائية.

علاوة على ما قيل، نجد أن القرآن نفسه يطرح إشكالية أمام السائلين من المؤمنين حين يحذرهم من طرح بعض الأسئلة لكون توضيحها قد يكون مسيئا لهم خاصة وأن قوما من قبل المؤمنين (في إشارة غير صريحة لليهود) – يقول القرآن – قد سألوا مثل تلك الأسئلة فأصبحوا كافرين. وكل العارفين بالإسلام يعرفون حق المعرفة واليقين أن جزاء الكافر هو القتل. فمن سيجرأ على طرح السؤال إن كان القرآن نفسه ينبه المؤمنين إلى ما قد يكتسيه السؤال من خطورة قد تؤدي إلى جواب مسيء (غير مفرح) أو إلى كفر جزاءه قتل من تشبث بكفره. فالآيتان المعنيتان في هذا الصدد تنصان حرفيا ما يلي: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) « . ولعل مجمل ما قيل في مساءلة القرآن ومجادلة النبي ونجواه يجد صداه وانعكاساته على الواقع السياسي العربي حيث يعتبر الزعيم العربي خليفة لله في أرضه. ففي تراثنا وأعرافنا يصبح طرح السؤال تهجما على الشخص خاصة إذا تعلق الأمر بمساءلة المقدس. ولعل هذا ما يجعل خطابات الزعماء العرب الموجهة لرعاياهم أو لممثلي  رعاياهم في البرلمان لا تخضع لا للتصويت ولا للمناقشة ولكنه تخضع إلزاما للمصادقة.

أما استفحال الأمية واعتماد مناهج التعليم على الحفظ واستظهار النصوص للفوز في الامتحان بدل الاعتماد على تقنيات تحصيل المعلومات واخضاعها للاختبار والمساءلة فهو يصب بدوره في خانة المعوقات أمام قراءة القرآن ومساءلة القرآن. وتلك قضية لا تخلوا من أهمية لارتباط الأمية بالقرآن وبالتعاليم الدينية في مخيال المسلمين الذين ترسخ في ذهنهم أن الرسول محمد كان أميا وأن الأمية هي معجزة الرسول وآيته التي دل عليها القرّآن حين يقول في الآية 157 من سورة الأعراف: « الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)« .

في ظل هذه التساؤلات والحقائق والملاحظات، فإننا لا نستغرب أن يقول الرسول عن القرآن في الآية 30 من سورة الفرقان : « وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)« . كما لا نستغرب بخصوص اختلافات الصحابة والأولين، وهي اختلافات بينة ومتضاربة ومثيرة للشك ومنفرة في تفسيراتهم للآيات وفي تفسيراتهم للكلمات وللمفردات ولعجزهم عن توضيح ما يسمى بالكلمات المقطعة. وهو عجز واختلاف يجعلك تتساءل إن كان القرآن مهما ومقدسا يقرأ ويدرس عند المؤمنين الأوائل. وهنا أطرح السؤال: ما معنى المؤمنين وهل يعتبر القرآن أتباعه مؤمنين أم مسلمين ولماذا تعتبر القران الله مؤمنا حيث أنه يقول عنه ذلك في الآية 23 من سورة الحشر التي جاء فيها : « هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)« . ما هذه إلا مجرد أسئلة لمن يود أن يستشف نكهة مساءلة القرآن من أجل فهم القرآن.

تبقى الإشارة إلى أن كتابتي لهذا المقال باللغة العربية تعتبر أول تجربة لي في الكتابة بالعربية في هذه المدونة، وذلك تبعا لطلب عدد من الفاعلين والمتفاعلين مع بعض منشوراتي على بعض قنوات التواصل الاجتماعي. وإنني أعتبرها انطلاقة جديدة نحو الكتابة باللغة العربية والتفاعل مع الجمهور العربي على موقع المدونة.

المرجو من المتفاعلين الانخراط في المدونة الإلكترونية من أجل التوصل بمقالاتي فور نشرها على الموقع.

https://www.mythesfondateurs.com  

 ! شاركوا بوضع تعليقاتكم ومقترحاتكم

Publicités

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s