لماذا اختلف الأوائل في تفسير معنى الفلق؟

Image

Mohamed Filali Sadkiكلما حاولت الإستفهام عن معنى بعض المفردات القرآنية عبر وسائل التواصل الإجتماعي إلا وتصدى لي بعض حراس العقيدة الإسلامية بحزمة من الشتائم والتهم المجانية فيما يبادر البعض الآخر إلى تهريب الموضوع المطروح بإثارة موضوع آخرمتعلق بالكتاب المقدس، على سبيل المثال. بينما كثيرا ما يختار البعض الآخر سبيل التبخيس والتصغير والتحقير بدل البحث عن عناصر الجواب. وهناك البعض من المتواصلين من يبحث عن أجوبة جاهزة ينقلها مباشرة من المواقع الإلكترونية لعله يقنعني بها اعتقادا منه أنني لا أعرف الأبجديات والمسلمات الإسلامية التي يعرفها أي مسلم عامي لم تتح له فرصة التحصيل المعرفي في الصفوف المدرسية!؟

فكم يكون استغرابي عظيما حينما يتهمني البعض بالجهل باللغة العربية وبقواعدها اللغوية وكأنني لست عربيا ولا أكتب لهم باللغة العربية ما أطرحه على طاولة النقاش بخصوص بعض المفردات القرآنية المستعصية التي تواجه القارئ العربي للنصوص القرآنية. فهل يعتقد البعض من العرب المسلمين أن اللغة العربية مجال معرفي مغلق موقوف على رجال الدين وحراس العقيدة الإسلامية؟  إن كان الأمر كذلك، فلا غرابة أن يكون عدد من زعمائنا العرب غير قادرين على التعبير باللغة العربية. ولا غرابة ألا يتخاطب العرب بينهم باللغة العربية مفضلين في ذلك استعمال العامية كلغة للتخاطب في الشوارع كما في الصفوف المدرسية. فهل شاء قدرنا في الأوطان العربية ألا يتناول أي منا القرآن باستثناء كهنة الأديان وسدنة الديار؟ وألا يحق لأي منا أن يسأل عن المفردات القرآنية ويسائل إشكاليات القرآن؟

تفسير-حلم-سورة-الفلق

ليس سرا أن أقول إن القارئ العربي المسلم يجد صعوبة جمة في قراءة القرآن وفي فهم مفرداته واستيعاب مضامينه. فسورة الفلق على صغر حجمها، والتي لا يتعدى عدد آياتها خمس آيات، مليئة بالمفردات الصعبة التي لا يفهمها عامة المثقفين، ناهيك عن عامة الناس من المسلمين. فبعض النظر عن مضمون السورة وما يثيره من استفهامات تعجبية لن أخوض فيها في هذا المقام، فإن القارئ العربي يجد نفسه أمام خمس مفردات مبهمة غير متداولة وغير متعارف عليها حتى عند أهل التأويل الأوائل الذين بنيت التفاسير القرآنية على أقوالهم وشهاداتهم. فما معنى الفلق؟ وما معنى غاسق؟ وما معنى وقب؟ وما معنى النفاثات؟ وما معنى العقد؟

حين نراجع تفسير الطبري، على سبيل المثال، بخصوص معنى الفلق، فإننا نفاجأ بقوله إن  » أهل التأويل اختلفوا فيما بينهم في معنى الفلق » . فإن كان أهل التأويل الأوائل غير متفقين على معنى الفلق وغير ملمين بمعنى الفلق، فكيف يمكن للمسلم المثقف قبل المسلم العامي أن يعرف ما معنى الفلق، ولا معنى غاسق إذا وقب، ولا معنى النفاتات في العقد؟

الفلق

(المرجع: صورة مقتطفة من كتاب تفسير القرطبي)

ففي تفسير الطبري، نجد من أهل التأويل من يقول إن الفلق هو سجن في جهنم، ومنهم من يقول أن الفلق جب في جهنم مغطى، ومنهم من يقول أن الفلق هو الصبح، ومنهم من يقول أن الفلق هو الحب والنوى، ومنهم من يقول أن الفلق هو الخلق. فعلى أي تأويل يمكن للقارئ المسلم أن يضع يده ويعتمده كشرح لمفردة الفلق؟

وهنا علينا أن نقف على جزئية تثير الاهتمام وتلفت النظر في كلام القرطبي. فالمؤلف لا يقدم لنا مصادره على أساس أنهم ملمين بلغة القرآن بقدر ما يقدمهم لنا بصفتهم مؤولين لمفردات قرآنية كانت غريبة مستعصية وغير متداولة أو غير متعارف عليها في لغتهم العربية اليومية. فلو كانت مفردة الفلق متداولة ومتعارف عليها في اللغة العربية لما احتاج المؤلف للمؤولين، ولما وقع في شرح تلك المفردة القرآنية اختلاف بين وشاسع بين أهل التأويل أنفسهم. أليس هذا البون مثارا للمساءلة في كل ما قيل من تأويلات غير متجانسة من طرف المسلمين الأوائل حول المفردات القرآنية قبل الغوص في معاني الآيات والسور القرآنية؟

 ما قيل أعلاه من ملاحظات وتعليقات بخصوص مفردة الفلق ينطبق على المفردات الأربعة الباقية الواردة في سورة الفلق.  فبخصوص « من شر غاسق إذا وقب « ، نجد أن القرطبي، وكالعادة، يستعرض علينا مجموعة من التأويلات المتضاربة والمتباينة نستعرضها موجزة فيما يلي. فهو يقول إن العبارة تعني  » من شر مظلم إذا دخل علينا وهجم علينا بظلامه » وفي نفس الوقت يبلغنا القرطبي، وكالعادة، أن أهل التأويل اختلفوا في معنى »المظلم الذي عني في هذه الآية « . فقد قال بعضهم « هو الليل إذا أظلم »، وقال بعضهم « هو غروب الشمس إذا جاء الليل »، وقال بعضهم  « هو أول الليل »، وقال بعضهم « هو غروب الشمس إذا جاء الليل »، وقال بعضهم إن « إذا وقب » تعني  » إذا دخل »، و قال بعضهم  » الليل إذا أقبل »، وقال بعضهم  » النهار إذا دخل في الليل »، وقال آخر  » غاسق إذا وقب » هو الكوكب، وقال آخرون هو القمر. فمن يمكننا أن نصدقه ومن يمكنا أن نأخذ برأيه؟

 إن هذه النماذج من التأويلات المتباينة والمتضاربة بخصوص مفردات القرآن لتطرح أسئلة كثيرة بخصوص مفردات القرآن التي لا يتفق أهل التأويل على معانيها. فهل مثل هذه المفردات عربية ام أعجمية؟ وكيف يعقل ألا تكون تلك المفردات متعارف عليها من طرف أهل التأويل الأوائل؟ فهل كان القرآن كتابا مهجورا لا يقرأه أحد ولا يهتم لما في محتوياته أحد؟ أم أن القرْآن كان مستعصيا على الأوائل سواء من حيث مفرداته  ومضامينه؟ أم هناك أمورا خفية أخرى لا يستطيع أحد أن يعرف كنهها لأسباب مجهولة أو محظورة؟

………………………………………..

 اشتراكاتكم وتعليقاتكم دعم للمدونة

 المرجو الإشتراك في المدونة للتوصل بالمقالات فور نشرها

http://www.mythesfondateurs.com

WooCommerce

Publicités

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l'aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s