هل سورة الفلق مكية أم مدنية، أم مكية مدنية؟

Par défaut

اعتاد المفسرون أن يقسموا القرآن إلى قرآن مكي وقرآن مدني زعما منهم أن بعض القرآن نزل في مكة وأن الباقي Mohamed Filali Sadkiمن القرآن نزل بالمدينة. ومن جهتنا نحن كمسلمين، اعتدنا أن نقدس ما يقوله لنا المفسرون الأوائل بقدر ما اعتدنا أن نقدس القرآن انطلاقا مما يقوله لنا الأوائل. لكن قراءتنا لسورة الفلق في كتب التفاسير تفاجئنا باختلاف الرأي بخصوص مكان نزول هذه السورة القصيرة التي تتكون بالكاد من خمس آيات مستعصية على الفهم لفظا ومعنى وتنزيلا. فهل سورة الفلق مكية في رأي المفسرين أم هي مدنية عند علماء القرآن؟ أم أن المفسرين الأوائل وجدوا في تصنيف القرآن اختلافا كثيرا؟

ففي المجلد الخامس من كتابه تحث عنوان « المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز » يفيدنا القاضي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية ابن عطية الأندلسي المتوفى في سنة 546 هجرية بوجود اختلاف بخصوص مكان نزول سورة الفلق بين ابن عباس وقتادة. فابن عباس يقول إن سورة الفلق مدنية بينما يقول قتادة إن سورة الفلق مكية. فمن منهما نصدق، ابن عباس أم قتادة؟

الفلق مكية أم مدنية

مقتطف من المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. ص 538

 

وفي المجلد الرابع من كتابه تحث عنوان  » تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة » يفيدنا الحاج سلطان محمد الجنابذي الملقب بسلطان على شاة نفس إفادة القاضي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية ابن عطية الأندلسي المشار إليه أعلاه. فالحاج سلطان محمد الجنابذي يفيدنا في كتابه، تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة، بقوله إنه قيل إن سورة الفلق مدنية وقيل إنها مدنية. فهل يبني المسلمون فهمهم للقرآن على خلافات في الرأي تختزل في قيل وقيل؟ أليس علماء القرآن هم من رتب القرآن وصنف السور القرآنية إلى سور مكية وسور مدنية؟ فعلى أي تفسير يمكن للقارئ أن يضع عليه يده انطلاقا من خلافات المفسرين في تفاسير القرآن لفظا ومعنى وتنزيلا؟

فلو رجعنا، على سبيل الاستئناس، إلى كتاب « الإتقان في علوم القرآن » لصاحبه جلال الدين السيوطي لوجدنا في مضامينه متاهة كبيرة في تصنيف سور القرآن إلى آيات مكية وآيات مدنية وآيات فيها اختلافا كبيرا. ولوضع القارئ في الصورة، علينا أن نقرأ بتمعن ما نقله جلال الدين السيوطي على لسان أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب  » التنبيه على فضل علوم القرآن » حيث قال:  » من أشرف علوم القران علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلا، وما نزل نهارا، وما نزل مشيعا، وما نزل مفردا، والآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكيات في السور المدنية، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة، وما نزل مجملا، وما نزل مفسرا، وما اختلفوا فيه، فقال بعضهم : مدني، وبعضهم : مكي. فهذه خمسة وعشرون وجها، من لا يعرفها ويميز ما بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى. انتهى. ». فهل هذا يعني أن قراءة القرآن وفهم القرآن وقف على أمثال أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري؟

انطلاقا مما سبق ذكره وتوضيحه، يتبين لنا أن تقسيم القرآن إلى مكي ومدني نوع من الإنتاج الفكري الذي لا يلوي على شيء محدد المعالم والأهداف. كما يبدو واضحا أنه جعل تفسير القرآن حكرا على الخاصة وكأن القرآن نزل للخاصة وليس للعامة. فكأن أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري يقولنا، في عصرنا الحالي: لا دعوة لكم في وضع، وفهم، ومناقشة، وتفسير دستور الأمة (اعتبارا من أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري) أن دستور الأمة هو من اختصاص الخاصة وليس من اختصاص العامة، وهو ما يسمى اصطلاحا بالدستور الممنوح عوض الدستور المتوافق عليه. إن كان الأمر كذلك فما الداعي لتصنيف نزول القرآن إلى لائحة طويلة من التصنيفات تفوق ما هو متعارف عليه عند العامة من تصنيف القرآن إلى قرآن مكي وقرآن مدني؟

فالقرآن المكي هو ما نزل في مكة قبل الهجرة والقرآن المدني هو ما نزل بعد الهجرة بعض النظر عن مكان نزوله على اعتبار أن القرآن المكي كان مسالما بشكل ملموس أما القرآن المدني فهو قرآن حروب، وغزوات، وتشريع، وإرساء للسلطة الدينة والدنيوية للرسول إلى حد مساوات الرسول بالله حيث يفيدنا القرآن المدني أن من يبايع الرسول إنما يبايع الله، في الوقت الذي يفيدنا فيه القرآن المكي أن الرسول محمد ما كان إلى مبشرا ونذيرا وليس على الناس بمصيطر (مسيطر). فما الفائدة من تعقيد الأمور على المؤمنين بالقول إنه لا يحل للمؤمن أن يتكلم في كتاب الله تعالى، كما جاء في قول أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري؟

فهل يعتقد أمثال أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري أنهم من المحدثين وأن الله وهبهم معرفة ربانية غيبية وأعطاهم تفويضا خاصا لتفسير القرآن وتصنيفه بشكل يجعلنا تائهين لا نلوي على شيء بحيث لا نعلم إن كانت سورة الفلق مكية أم مدنية؟ فللتذكير، يقول لنا المفسرون أن ابن عباس قال إن سورة الفلق مدنية بينما قال قتادة أنها مكية. فمن منهما نصدق؟ هل يمكننا أن نعتقد أن أحدهما كاذب أم يكفينا أن نقول إن هناك خلل ما في الروايات وفي معرفة الأولين بالقرآن وبنزول القرآن؟

 

 اشتراكاتكم وتعليقاتكم دعم للمدونة

 المرجو الإشتراك في المدونة للحصول المقالات فور نشرها

http://www.mythesfondateurs.com

 

Publicités

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l'aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s