سورتي المعوذتين بين ابن كثير وابن مسعود

Par défaut

Filali Sadkiكان عبد الله بن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، ولم يكن يقرأ بهما. فهو كان يحكهما (يمحوهما) من المصاحف، ويقول إنهما ليستا من القرآن، وكان يقول إنما أمر رسول الله أن يتعوذ بهما (فقط). ويستفاد من قول ابن كثير أن امتناع عبد الله بن مسعود عن كتابة المعوذتين في مصحفه كان أمرا مشهورا عند القراء والفقهاء. لكن ابن كثير شكك في صلابة الأرضية التي بني عليها ابن مسعود موقفه حيث أضاف قائلا:  » أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي، ولم يتواتر عنده، تم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة، كتبوها في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الأفاق. » كيف ذلك؟

ما يلاحظ في تجريح ابن كثير في قول عبد الله بن مسعود إن المعوذتين ليستا من القرآن هو بناء رأيه على فرضية عبر عنها باستعمال كلمة شك، ألا وهي كلمة (لعل)؛ وهو ما يعني بالمقابل أن ابن كثير لم يبد رأيه بناء على معلومات أساسية ومرجعية تفيد أن ابن مسعود لم يكن على علم بالمعوذتين خاصة وأن الروايات التي ذكرها ابن كثير نفسه تقول، على لسان عبد الله ابن مسعود نفسه، أن هذا اللأخير كان على علم بالمعوذتين، وكان يعلم أن الرسول محمد كان يتعوذ بهما، حسب قوله. فما الجديد؟

ولتجاوز فرضيته المبينة على كلمة (لعل)، حاول ابن كثير دعم رأيه في قضية تعامل عبد الله بن مسعود مع المعوذتين بإدراجه حديثا في كتاب صحيح مسلم يذكر فيه صاحبه أن الرسول محمد، غداة نزول المعوذتين ليلا، أخبر أحد الصحابة عن نزول المعوذتين قائلا:  » ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ». ولتعزيز موقفه من قضية المعوذتين عند عبد الله بن مسعود عن طريق رواية كتاب صحيح مسلم، سعى ابن كثير إلى دعم تلك الرواية باعتبارها رواية مشتركة بين العديد من الكتاب والمفسرين الأوائل المرموقين في عالم التراث الإسلامي مبينا بذلك حصول الرواية على الإجماع حيت أضاف قائلا: (ورواه أحمد، ومسلم أيضا، والترمذي، والنسائي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.) فهل الإجماع في رأي المفسرين الأوائل يعني الصواب أم يعني ديمقيراطية الأغلبية؟

 وبعض النظر عن مدى صدقية هذا الحديث أم لا، فإن ما يثير انتباهي من حيث فن الكتابة هو أسلوب كتابة هذا الحديث. فهو يستعير تعبيرا من تعابير المجادلة القرآنية الذي ورد في العديد من الآيات القرآنية وعلى رأسها سورة الفيل، ألا وهو (ألم ترى…؟). ألم يكن من الأقرب للصواب أن يقول الراوي (ألم تسمع بكذا وكذا؟) أو (ألم تعلم…؟) على غرار قول القرآن (ألم يعلم أن الله يرى؟) في سورة العلق، على سبيل المثال؟ إضافة لذلك، نجد أن أسلوب كتابة الراوي لم يتعامل مع المعوذتين كمنتوج فكري غير مرئي بل تعامل معهما معاملة الأشياء المجسمة الملموسة حيث قال عنها أنه (لم ير مثلهما قط) عوض أن يقول، على سبيل المثال (لم ينزل مثلهما من القرآن قط).أم أن السور القرانية كانت مكتوبة على قرطاس وكان الناس يقرؤونها من خلال الكتابة  المسطرة على القرطاس؟ علاوة على كل هذا وذاك،هناك صيغة المبالغة في القول إنه لم (ير مثلهن قط): وكأن سورتي المعوذتين هما أهم ما في القرآن من سور بما في ذلك سورة الفاتحة وسورة الإخلاص اللتان تحتلان مكانة هامة في وجدان المسلمين وفي استعمالهم لهما في صلواتهم وفي تعاملاتهم.

ولتعزيز فرضيته المبينة على كلمة (لعل)، أضاف ابن كثير رواية أخرى منسوبة للإمام أحمد يقول فيها عقبة بن عامر ما يلي: (قال لي رسول الله: يا عقبة، ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس). تم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله فقرأ بهما، ثم مر بي فقال: (كيف رأيت يا عقيب، اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت)). ماذا بعد؟

وعلى غرار سابقتها، لا تخلو هذه الرواية من مواطن الضعف لغة ومضمونا. فمن الناحية اللغوية، فإنه من الصعب على القارئ أن يستسيغ البلاغة في القول (سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس) والمقصود من (سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس)! أما من حيث المضمون، فإنه يستشف من الحديث أعلاه أن المعوذتين كانتا امرا مشاعا ولم تكونا سرا من الأسرار بدليل قوله أن الناس كانوا يستعملون المعوذتين ويقرؤون بهما كما جاء في الحديث المنسوب للرسول محمد. فهل هذا يعني أن الناس كانت تقرأ المعوذتين قبل أن يأخذ بهما الرسول، ويعلمهما لسائق دابته، ويقرأ بهما في صلاة جماعية؟ ثم، ما علاقة الرواية الأولى بالرواية الثانية؟

فإن كان الرسول محمد قد أخبر بنزول المعوذتين في اليوم الموالي لنزولهما، فما الذي جعل صاحب الرسول وسائق دابته لا يعلم بوجود بنزول المعوذتين، وكيف لا يكون عبد الله بن مسعود بلا علم بقراءة الرسول محمد للمعوذتين في صلواته رغم أن عبد الله بن مسعود كان من أقرب المهتمين بالقرآن وأسباب نزوله حسب ما يستشف من التراث الإسلامي؟ وأخير، ألا يمكننا التساؤل عن سبب نزول المعوذين في سورتين منفردتين في ليلة واحدة، وعن الغاية من ذلك بذل نزولهما في سورة واحدة موحدة؟

هذا، وقد استرسل ابن كثير، على عادة المفسرين، في سرد الأحاديث التي تدعم رأيه في موضوع موقف عبد الله بن مسعود من المعوذتين، فأعاد ذكر رواية تخالف الرواية السابقة المتعلقة بتعليم المعوذتين لعقبة بن عامر. وفيما يلى ما تقوله الرواية: (عن عقبة بن عامر أنه قال: إن رسول الله أهديت له بغلة شهباء، فركبها فأخد يقودها له، فقال رسول الله: اقرأ (أعوذ برب الفلق). فأعادها له حتى قرأها، فعرف أنى لم أفرح بها جدا، فقال: لعلك تهاونت بها؟ فما قمت تصلى بشيء مثلها.). فما الفارق؟

على عكس الرواية السابقة، نجد أن الرسول محمد لم يعلم عقبة بن عامر سورتي المعوذتين دفعة واحدة، بل سورة واحدة، ألا وهي سورة الفلق. ويستشف من هذه الرواية أن الرسول كان يتتبع عقبة بن عامر ويتجسس عليه في صلواته ليعرف ما إن كان صاحبه يقرأ بسورة الفلق أم لا، كما يستشف من الحديث أن عقبة بن عامر لم يكن فرحا بسورة الفلق بقدر ما كانت سورة الفلق لا تثير اهتماما لذي عقبة بن عامر؛ وهو الأمر الذي جعل الرسول محمد يقول لصاحبه، حسب الرواية: (لعلك تهاونت بها؟). وهنا، تطرح أسئلة موازية لما سبق ذكره من الملاحظات والتساؤلات حول الغاية من سورتي المعوذتين، وعن السبب أو الأسباب التي جعلت عقبة بن عامر يتهاون في تعامله مع سورة الفلق رغم كونها سورة قصيرة سهلة للحفظ في الذاكرة بفضل مثنها اللغوي، وقصر جملها، ومحدودية مضمونها في خمس آيات. مذا بعد؟

وفي رواية مخالفة يسردها لنا ابن كثير في تعليقه على موقف عبد الله بن مسعود من المعوذتين، يذكر الكاتب المفسر، ابن كثير، قول النسائي كما يلي: (عن عقبة بن عامر أن الرسول محمد قال: إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين : (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس)). وللتذكير، فقد سبق لابن كثير أن ذكر رواية لعقبة بن عامر يقول له فيها الرسول محمد أن المعوذتين (سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس)، وهو ما يتناقض تماما مع الرواية الحالية التي تقول (إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين (أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس)) ! فهل كان الناس يتعوذون بالمعوذتين قبل الرسول محمد أم أن المعوذتين كانتا من بناة الوحي الذي كان ينزل على الرسول محمد قبل أن يشرع الناس فس التعويذ بهما؟

ومن الروايات الغريبة التي تدلو بدلوها في نفس الموضوع رواية يقول فيها وفرة بن مجاهد، عنه ( أي الرسول محمد): (ألا أعلمك ثلاث سور لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن؟ (قل هو الله أحد) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعود برب الناس.)) فهل هذا يعني أن هناك منافسة وتباهي في موضوع هذه السور بين صفوف المؤمنين (المسلمين لاحقا) أصحاب الرسول محمد في مقابل أصحاب الديانات المنافسة مثل اليهودية والمسيحية؟ أم أن في الرواية ما يعني ضمنيا أن تلك السور مأخوذة أو مقتبسة من أسفار الكتاب المقدس؟

قد يبدو هذا السؤال غريبا، لكن المتأمل في المقارنة بين القرآن والكتاب المقدس يجد في نسبة مهمة من مضامين القرآن اقتباسا من الكتاب المقدس وإعادة صياغة لما جاء في الكتاب المقدس من مضامين مع مراعات إكراهات الترجمة وتقنيات الملائمة اللغوية. فإذا ما كان هناك تشابه ما بين سورة الإخلاص والإصحاح السادس من سفرالتثنية، وخاصة منه الآية الرابعة التي جاء فيها: (اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ.) على غرار (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فما هو التشابه التي قد نجده على سبيل المثال بين سورة الفلق وبعض مضامين الكتاب المقدس؟

 

اشتراكاتكم وتعليقاتكم دعم للمدونة

 المرجو الإشتراك في المدونة للحصول المقالات فور نشرها

http://www.mythesfondateurs.com

 

Publicités

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s