! الغريب في تفاسيرغاسق إذا وقب في سورة الفلق

Par défaut

تساءلت في مقال سابق إن كانت سورة الفلق مكية أم مدنية بناء على ما جاء من تعارض في الروايات حيث نجد أن ابن عباس يقول إنها مدنية بينما يقول قتادة أنها مكية؟ كما تساءلت في مقال سابق عن سبب اختلاف المفسرين وأصحاب التأويل في شرح وتفسير مفردة الفلق رغم أن مجموع آيات هذه السورة لا يتعدى خمس آيات. لكن أغرب ما شد انتباهي في تفسير وتأويل سورة الفلق هو ذلMohamed Filali Sadkiك التفسير ذا المنحى الجنسي الذي خصه البعض لمعنى غاسق إذا وقب. فما الذي قيل من القول الشاذ عن غاسق إذا وقب في خضم الاختلافات في التأويل؟

 

اعتمدت في بحثي على كتابين هامين من كتب التفسير، وهما: كتاب المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للقاضي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (المجلد الخامس، ص. 538) وكتاب تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة للحاج سلطان محمد الجنابذي الملقب بسلطان شاه (ص. 286). فما الذي سيفيدنا به كل واحد من هؤلاء المفسرين؟

فالقاضي ابن عطية الأندلسي يقول رأسا ودون مراوغة أن الناس اختلفوا في (الغاسق إذا وقب). فهو يقول أن ابن عباس ومجاهد والحسي يقولون أن الغاسق الليل و(وقب) معناه: أظلم ودخل على الناس. وكعادة المفسرين الأوائل، يسترسل ابن عطية في سرد الروايات والتأويلات قائلا: [وقال محمد بن كعب : (الغاسق إذا وقب) ، النهار دخل في الليل، وقال ابن زيد عن العرب، (الغاسق ) سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وقال عليه السلام: النجم هو الغاسق فيحتمل أن يريد الثريا، وقال لعائشة وقد نظر إلى القمر: ( تعوذي بالله من شر غاسق إذا وقب، فهذا هو، وقال القتبي وغيره: هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف، قال الزهري في (الغاسق إذا وقب) : الشمس إذا غربت، و (وقب) في كلام العرب: دخل، وقد قال ابن عباس في كتاب النقاش: (الغاسق إذا وقب) : ذكر الرجل، فهذا التعوذ في هذا التأويل نحو قوله عليه السلام وهو يعلم السائل التعوذ : (قل أعوذ بالله من شر سمعي وشر قلبي وشر بصري وشر لساني وشر منيي)]. فهل كان العرب يرمزون إلى ذكر الرجل ب (غاسق إذا وقب) أم أن في الأمر مزايدة في القول؟

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)، سورة النساء

غاسق إذا وقب

مقتطف من كتاب المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزير، ص. 538

ومن جهته، ينحو الحاج سلطان محمد الجنابذي في كتابه (تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة) نفس منحى القاضي ابن عطية الأندلسي في سرد العديد من الروايات في تأويل معنى (غاسق إذا وقب) إلى أن ينتهي إلى سرد مصدر مبني للمجهول قائلا: [وقيل: المعنى من شر الذكر إذا قام.] وبقوله هذا القول، يلتقي الحاج سلطان محمد الجنابذي في كتابه (تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة) مع القاضي ابن عطية الأندلسي في كتابه (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) في إدراج (ذكر الرجل إذا قام ) ضمن لائحة التأويلات المتعددة، والمختلفة، والمتضاربة التي جاء بها المؤولون الأوائل لمعنى (غاسق إذا وقب) مع فارق لا يخلو من أهمية وهو أن الحاج سلطان محمد الجنابذي نسب مصدره إلى مجهول في حين نسب القاضي ابن عطية الأندلسي مصدره إلى ابن عباس.  فما سبب هذه الاختلافات في التأويل عند الأوائل؟ هل هذا يعني أن المفسرين والمؤولين تدبروا القرآن ووجدوا فيه اختلافا كثير أم أن هذا يعني أن الرواة والمؤولين الأوائل لم يكن القرآن عندهم موضوع اهتمام مبكر، فكان عندهم كتابا مهجورا!؟ أم أن القرآن نزل بلغة مختلفة قليلا او كثيرا عن اللغة العربية؟ فقال عنه البعض (أعربي وأعجمي؟)، كما يفهم من الآية 44 من سورة فصلت، أم هناك أمورا خفية أخرى لا نعلمها؟

لَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (فصلت، 44)؟

وعلاوة على ما جاء من تقديم للموضوع ومن أسئلة حول اختلاف المؤولين الأوائل حول مكية أو مدنية سورة الفلق من جهة وحول مفردات هذه السورة القصيرة جدا من جهة أخرى، فإن القارئ يجد نفسه أمام خلافات أخرى حول سورة الفلق تثير شكوكا حول مدى اعتبارها قرانا أم تعويذة انطلاقا مما جاء في بعض التعليقات. هذا، ولعل القارئ يجد نفسه أما تساؤلات أخرى تتعلق بما قد تعكسه السورة المعنية من شخصية من قد يتعود بالله من شر غاسق إذا وقب، بغض النظر عن اختلافات المؤولين في معنى (غاسق إذا وقب). كما أن سورة الفلق تطرح تساؤلات حول علاقتها بسور قصيرة أخرى مثل سورة الناس التي يتعود فيه بالله من الناس. فما أحوجنا إلى قراءة القران قراءة جديدة تعتمد على مقارنة بالكتاب المقدس، وبالإعتماد على العلوم الأخرى مثل علم اللغة بما في ذلك اللغة السريانية واللغة العبرية وعلم المخطوطات وعلم الأثار وعلم التاريخ عوض اللاعتماد على التفاسير الإسلامية التي تتضمن كثيرا من التناقضات ومن مناطق الظل التي لا تجيب على أسئلة العصر ولا تتطابق مع منطق العصر. فهل سنلحق بالركب العالمي في مجال البحث العلمي في الكتب  الدينية، وفصل الدين عن  الدولة فصلا حقيقيا، وإقامة العلمانية الحقيقية، أم سنظل منغلقين في  تفاسير غير مقنعة تبعدنا عن فصل الدين عن الدولة وتصدنا عن إقامة العلمانية الحقة التي تضمن حقوق الجميع والتي تجعل الدين لله والوطن للجميع؟

ولعله يبدو واضحا مما سبق تناوله بخصوص سورة الفلق أن قراءة القرآن ودراسته من خلال التراث الإسلامي لها من الجوانب الخفية ما يثير الاهتمام بقدر ما يثير الاستغراب والتساؤلات حول القرآن وتفسيراته وتأويلاته وتصنيفاته واختلاف الأولين في ذلك كما اختلفوا في مكان نزول سورة الفلق وفي معنى (غاسق إذا وقب). فهل (غاسق إذا وقب) تعني الليل إذا جاء أم انها تعني (الذكر إذا قام) أم إن التفاسير والتأويلات بالنيات، ولكل امرئ ما نوى!؟

 

اشتراكاتكم وتعليقاتكم دعم للمدونة

 المرجو الإشتراك في المدونة للحصول المقالات فور نشرها

http://www.mythesfondateurs.com

 

 

هل سورة الفلق مكية أم مدنية، أم مكية مدنية؟

Par défaut

اعتاد المفسرون أن يقسموا القرآن إلى قرآن مكي وقرآن مدني زعما منهم أن بعض القرآن نزل في مكة وأن الباقي Mohamed Filali Sadkiمن القرآن نزل بالمدينة. ومن جهتنا نحن كمسلمين، اعتدنا أن نقدس ما يقوله لنا المفسرون الأوائل بقدر ما اعتدنا أن نقدس القرآن انطلاقا مما يقوله لنا الأوائل. لكن قراءتنا لسورة الفلق في كتب التفاسير تفاجئنا باختلاف الرأي بخصوص مكان نزول هذه السورة القصيرة التي تتكون بالكاد من خمس آيات مستعصية على الفهم لفظا ومعنى وتنزيلا. فهل سورة الفلق مكية في رأي المفسرين أم هي مدنية عند علماء القرآن؟ أم أن المفسرين الأوائل وجدوا في تصنيف القرآن اختلافا كثيرا؟

ففي المجلد الخامس من كتابه تحث عنوان « المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز » يفيدنا القاضي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية ابن عطية الأندلسي المتوفى في سنة 546 هجرية بوجود اختلاف بخصوص مكان نزول سورة الفلق بين ابن عباس وقتادة. فابن عباس يقول إن سورة الفلق مدنية بينما يقول قتادة إن سورة الفلق مكية. فمن منهما نصدق، ابن عباس أم قتادة؟

الفلق مكية أم مدنية

مقتطف من المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. ص 538

 

وفي المجلد الرابع من كتابه تحث عنوان  » تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة » يفيدنا الحاج سلطان محمد الجنابذي الملقب بسلطان على شاة نفس إفادة القاضي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية ابن عطية الأندلسي المشار إليه أعلاه. فالحاج سلطان محمد الجنابذي يفيدنا في كتابه، تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة، بقوله إنه قيل إن سورة الفلق مدنية وقيل إنها مدنية. فهل يبني المسلمون فهمهم للقرآن على خلافات في الرأي تختزل في قيل وقيل؟ أليس علماء القرآن هم من رتب القرآن وصنف السور القرآنية إلى سور مكية وسور مدنية؟ فعلى أي تفسير يمكن للقارئ أن يضع عليه يده انطلاقا من خلافات المفسرين في تفاسير القرآن لفظا ومعنى وتنزيلا؟

فلو رجعنا، على سبيل الاستئناس، إلى كتاب « الإتقان في علوم القرآن » لصاحبه جلال الدين السيوطي لوجدنا في مضامينه متاهة كبيرة في تصنيف سور القرآن إلى آيات مكية وآيات مدنية وآيات فيها اختلافا كبيرا. ولوضع القارئ في الصورة، علينا أن نقرأ بتمعن ما نقله جلال الدين السيوطي على لسان أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب  » التنبيه على فضل علوم القرآن » حيث قال:  » من أشرف علوم القران علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلا، وما نزل نهارا، وما نزل مشيعا، وما نزل مفردا، والآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكيات في السور المدنية، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة، وما نزل مجملا، وما نزل مفسرا، وما اختلفوا فيه، فقال بعضهم : مدني، وبعضهم : مكي. فهذه خمسة وعشرون وجها، من لا يعرفها ويميز ما بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى. انتهى. ». فهل هذا يعني أن قراءة القرآن وفهم القرآن وقف على أمثال أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري؟

انطلاقا مما سبق ذكره وتوضيحه، يتبين لنا أن تقسيم القرآن إلى مكي ومدني نوع من الإنتاج الفكري الذي لا يلوي على شيء محدد المعالم والأهداف. كما يبدو واضحا أنه جعل تفسير القرآن حكرا على الخاصة وكأن القرآن نزل للخاصة وليس للعامة. فكأن أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري يقولنا، في عصرنا الحالي: لا دعوة لكم في وضع، وفهم، ومناقشة، وتفسير دستور الأمة (اعتبارا من أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري) أن دستور الأمة هو من اختصاص الخاصة وليس من اختصاص العامة، وهو ما يسمى اصطلاحا بالدستور الممنوح عوض الدستور المتوافق عليه. إن كان الأمر كذلك فما الداعي لتصنيف نزول القرآن إلى لائحة طويلة من التصنيفات تفوق ما هو متعارف عليه عند العامة من تصنيف القرآن إلى قرآن مكي وقرآن مدني؟

فالقرآن المكي هو ما نزل في مكة قبل الهجرة والقرآن المدني هو ما نزل بعد الهجرة بعض النظر عن مكان نزوله على اعتبار أن القرآن المكي كان مسالما بشكل ملموس أما القرآن المدني فهو قرآن حروب، وغزوات، وتشريع، وإرساء للسلطة الدينة والدنيوية للرسول إلى حد مساوات الرسول بالله حيث يفيدنا القرآن المدني أن من يبايع الرسول إنما يبايع الله، في الوقت الذي يفيدنا فيه القرآن المكي أن الرسول محمد ما كان إلى مبشرا ونذيرا وليس على الناس بمصيطر (مسيطر). فما الفائدة من تعقيد الأمور على المؤمنين بالقول إنه لا يحل للمؤمن أن يتكلم في كتاب الله تعالى، كما جاء في قول أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري؟

فهل يعتقد أمثال أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري أنهم من المحدثين وأن الله وهبهم معرفة ربانية غيبية وأعطاهم تفويضا خاصا لتفسير القرآن وتصنيفه بشكل يجعلنا تائهين لا نلوي على شيء بحيث لا نعلم إن كانت سورة الفلق مكية أم مدنية؟ فللتذكير، يقول لنا المفسرون أن ابن عباس قال إن سورة الفلق مدنية بينما قال قتادة أنها مكية. فمن منهما نصدق؟ هل يمكننا أن نعتقد أن أحدهما كاذب أم يكفينا أن نقول إن هناك خلل ما في الروايات وفي معرفة الأولين بالقرآن وبنزول القرآن؟

 

 اشتراكاتكم وتعليقاتكم دعم للمدونة

 المرجو الإشتراك في المدونة للحصول المقالات فور نشرها

http://www.mythesfondateurs.com

 

لماذا اختلف الأوائل في تفسير معنى الفلق؟

Image

Mohamed Filali Sadkiكلما حاولت الإستفهام عن معنى بعض المفردات القرآنية عبر وسائل التواصل الإجتماعي إلا وتصدى لي بعض حراس العقيدة الإسلامية بحزمة من الشتائم والتهم المجانية فيما يبادر البعض الآخر إلى تهريب الموضوع المطروح بإثارة موضوع آخرمتعلق بالكتاب المقدس، على سبيل المثال. بينما كثيرا ما يختار البعض الآخر سبيل التبخيس والتصغير والتحقير بدل البحث عن عناصر الجواب. وهناك البعض من المتواصلين من يبحث عن أجوبة جاهزة ينقلها مباشرة من المواقع الإلكترونية لعله يقنعني بها اعتقادا منه أنني لا أعرف الأبجديات والمسلمات الإسلامية التي يعرفها أي مسلم عامي لم تتح له فرصة التحصيل المعرفي في الصفوف المدرسية!؟

فكم يكون استغرابي عظيما حينما يتهمني البعض بالجهل باللغة العربية وبقواعدها اللغوية وكأنني لست عربيا ولا أكتب لهم باللغة العربية ما أطرحه على طاولة النقاش بخصوص بعض المفردات القرآنية المستعصية التي تواجه القارئ العربي للنصوص القرآنية. فهل يعتقد البعض من العرب المسلمين أن اللغة العربية مجال معرفي مغلق موقوف على رجال الدين وحراس العقيدة الإسلامية؟  إن كان الأمر كذلك، فلا غرابة أن يكون عدد من زعمائنا العرب غير قادرين على التعبير باللغة العربية. ولا غرابة ألا يتخاطب العرب بينهم باللغة العربية مفضلين في ذلك استعمال العامية كلغة للتخاطب في الشوارع كما في الصفوف المدرسية. فهل شاء قدرنا في الأوطان العربية ألا يتناول أي منا القرآن باستثناء كهنة الأديان وسدنة الديار؟ وألا يحق لأي منا أن يسأل عن المفردات القرآنية ويسائل إشكاليات القرآن؟

تفسير-حلم-سورة-الفلق

ليس سرا أن أقول إن القارئ العربي المسلم يجد صعوبة جمة في قراءة القرآن وفي فهم مفرداته واستيعاب مضامينه. فسورة الفلق على صغر حجمها، والتي لا يتعدى عدد آياتها خمس آيات، مليئة بالمفردات الصعبة التي لا يفهمها عامة المثقفين، ناهيك عن عامة الناس من المسلمين. فبعض النظر عن مضمون السورة وما يثيره من استفهامات تعجبية لن أخوض فيها في هذا المقام، فإن القارئ العربي يجد نفسه أمام خمس مفردات مبهمة غير متداولة وغير متعارف عليها حتى عند أهل التأويل الأوائل الذين بنيت التفاسير القرآنية على أقوالهم وشهاداتهم. فما معنى الفلق؟ وما معنى غاسق؟ وما معنى وقب؟ وما معنى النفاثات؟ وما معنى العقد؟

حين نراجع تفسير الطبري، على سبيل المثال، بخصوص معنى الفلق، فإننا نفاجأ بقوله إن  » أهل التأويل اختلفوا فيما بينهم في معنى الفلق » . فإن كان أهل التأويل الأوائل غير متفقين على معنى الفلق وغير ملمين بمعنى الفلق، فكيف يمكن للمسلم المثقف قبل المسلم العامي أن يعرف ما معنى الفلق، ولا معنى غاسق إذا وقب، ولا معنى النفاتات في العقد؟

الفلق

(المرجع: صورة مقتطفة من كتاب تفسير القرطبي)

ففي تفسير الطبري، نجد من أهل التأويل من يقول إن الفلق هو سجن في جهنم، ومنهم من يقول أن الفلق جب في جهنم مغطى، ومنهم من يقول أن الفلق هو الصبح، ومنهم من يقول أن الفلق هو الحب والنوى، ومنهم من يقول أن الفلق هو الخلق. فعلى أي تأويل يمكن للقارئ المسلم أن يضع يده ويعتمده كشرح لمفردة الفلق؟

وهنا علينا أن نقف على جزئية تثير الاهتمام وتلفت النظر في كلام القرطبي. فالمؤلف لا يقدم لنا مصادره على أساس أنهم ملمين بلغة القرآن بقدر ما يقدمهم لنا بصفتهم مؤولين لمفردات قرآنية كانت غريبة مستعصية وغير متداولة أو غير متعارف عليها في لغتهم العربية اليومية. فلو كانت مفردة الفلق متداولة ومتعارف عليها في اللغة العربية لما احتاج المؤلف للمؤولين، ولما وقع في شرح تلك المفردة القرآنية اختلاف بين وشاسع بين أهل التأويل أنفسهم. أليس هذا البون مثارا للمساءلة في كل ما قيل من تأويلات غير متجانسة من طرف المسلمين الأوائل حول المفردات القرآنية قبل الغوص في معاني الآيات والسور القرآنية؟

 ما قيل أعلاه من ملاحظات وتعليقات بخصوص مفردة الفلق ينطبق على المفردات الأربعة الباقية الواردة في سورة الفلق.  فبخصوص « من شر غاسق إذا وقب « ، نجد أن القرطبي، وكالعادة، يستعرض علينا مجموعة من التأويلات المتضاربة والمتباينة نستعرضها موجزة فيما يلي. فهو يقول إن العبارة تعني  » من شر مظلم إذا دخل علينا وهجم علينا بظلامه » وفي نفس الوقت يبلغنا القرطبي، وكالعادة، أن أهل التأويل اختلفوا في معنى »المظلم الذي عني في هذه الآية « . فقد قال بعضهم « هو الليل إذا أظلم »، وقال بعضهم « هو غروب الشمس إذا جاء الليل »، وقال بعضهم  « هو أول الليل »، وقال بعضهم « هو غروب الشمس إذا جاء الليل »، وقال بعضهم إن « إذا وقب » تعني  » إذا دخل »، و قال بعضهم  » الليل إذا أقبل »، وقال بعضهم  » النهار إذا دخل في الليل »، وقال آخر  » غاسق إذا وقب » هو الكوكب، وقال آخرون هو القمر. فمن يمكننا أن نصدقه ومن يمكنا أن نأخذ برأيه؟

 إن هذه النماذج من التأويلات المتباينة والمتضاربة بخصوص مفردات القرآن لتطرح أسئلة كثيرة بخصوص مفردات القرآن التي لا يتفق أهل التأويل على معانيها. فهل مثل هذه المفردات عربية ام أعجمية؟ وكيف يعقل ألا تكون تلك المفردات متعارف عليها من طرف أهل التأويل الأوائل؟ فهل كان القرآن كتابا مهجورا لا يقرأه أحد ولا يهتم لما في محتوياته أحد؟ أم أن القرْآن كان مستعصيا على الأوائل سواء من حيث مفرداته  ومضامينه؟ أم هناك أمورا خفية أخرى لا يستطيع أحد أن يعرف كنهها لأسباب مجهولة أو محظورة؟

………………………………………..

 اشتراكاتكم وتعليقاتكم دعم للمدونة

 المرجو الإشتراك في المدونة للتوصل بالمقالات فور نشرها

http://www.mythesfondateurs.com

WooCommerce